الغزالي
52
جواهر القرآن ودرره
المسدس ، كيلا يضيق المكان على رفقائها ، لأنها تزدحم في موضع واحد على كثرتها ، ولو بنت البيوت مستديرة لبقي خارج المستديرات فرج ضائعة ، فإن الدوائر لا تراصّ ، وكذلك سائر الأشكال ، وأما المربعات فتراصّ ، ولكن شكل النحل يميل إلى الاستدارة فيبقى داخل البيت زوايا ضائعة ، كما يبقى في المستدير خارج البيت فرج ضائعة ، فلا شكل من الأشكال يقرب من المستدير في التّراصّ غير المسدس ، وذلك يعرف بالبرهان الهندسي . فانظر كيف هداه اللّه خاصيّة هذا الشكل ، وهذا أنموذج من عجائب صنع اللّه ولطفه ورحمته بخلقه ، فإن الأدنى بيّنة على الأعلى ؛ وهذه الغرائب لا يمكن أن تستقصى في أعمار طويلة ، أعني ما انكشف للآدميّين منها ، وأنه ليسير بالإضافة إلى ما لا ينكشف واستأثر هو والملائكة بعلمه ، وربما تجد تلويحات من هذا الجنس في كتاب « الشكر » وكتاب « المحبة » ؛ فاطلبه إن كنت له أهلا ، وإلا فغضّ بصرك عن آثار رحمة اللّه ، ولا تنظر إليها ، ولا تسرح في ميدان معرفة الصنع ولا تتفرّج فيه ، واشتغل بأشعار المتنبي ، وغرائب النّحو لسيبويه ، وفروع ابن الحداد في نوادر الطلاق ، وحيل المجادلة في الكلام ، فذلك أليق بك ، فإن قيمتك على قدر همّتك وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ « 1 » و ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ « 2 » ولنرجع إلى الغرض ، والمقصود التنبيه على أنموذج من رحمة في خلق العالمين .
--> ( 1 ) الآية 34 / من سورة هود . ( 2 ) الآية 2 / من سورة فاطر .